ابن أبي العز الحنفي

434

شرح العقيدة الطحاوية

القدرة ، لا نفي الأسباب والآلات ، لأنها كانت ثابتة . وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله : ولا يطيقون إلا ما كلفهم ، إن شاء اللّه تعالى . وكذا قول صاحب موسى : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً الكهف : 67 . وقوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً الكهف : 75 . والمراد منه حقيقة قدرة الصبر ، لا أسباب [ الصبر ] وآلاته ، فإن تلك كانت ثابتة له ، ألا ترى أنه عاتبه على ذلك ؟ ولا يلام من عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل ، وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع قدرة الفعل ، لاشتغاله بغير ما أمر به ، أو [ لعدم ] شغله إيّاها بفعل ما أمر به . ومن قال : إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل - يقولون : ان القدرة لا تصلح للضدين ، فإن القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل ، وهي مستلزمة له ، لا توجد بدونه . وما قالته القدرية - بناء على أصلهم الفاسد ، وهو إقدار « 612 » اللّه للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء ، فلا يقولون إن اللّه خص المؤمن المطيع بإعانة حصّل بها الإيمان ، بل هذا بنفسه رجح الطاعة ، وهذا بنفسه رجح المعصية ! كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا ، فهذا جاهد به في سبيل اللّه ، وهذا قطع به الطريق - : وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر ، فإنهم متفقون على أن للّه على عبده المطيع نعمة دينية ، خصه بها دون الكافر ، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر . كما قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ، أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ الحجرات : 7 ، فالقدرية يقولون : إنّ هذا التحبيب والتزيين عامّ في كل الخلق ، وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق . والآية تقتضي أن هذا خاصّ بالمؤمن ، ولهذا قال : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ الحجرات : 7 . والكفار ليسوا راشدين . وقال تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ، كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ الانعام : 125 . وأمثال هذه الآية في القرآن كثير ، يبين أن سبحانه هدى هذا وأضل هذا . قال تعالى : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَنْ يُضْلِلْ

--> ( 612 ) . في الأصل : اقرار .